حسن بن موسى القادري

295

شرح حكم الشيخ الأكبر

« بئس الضجيع الجوع « 1 » » ، فأجابهم : بأنه إنما مدح القوم الجوع المشرع لا غير ، والغرض في مدحهم إياه إخراج المردين في بداية أمرهم عن تحكم الشهوات البهيمية ؛ إذ خروجهم لا يكون عنه إلا بالجوع ، فالخروج من الشهوات مطلوب ، فالجوع أيضا مطلوب ، وكون الخروج منها مطلوبا إنما هو لتنار هياكلهم بنور الإيمان والإيقان ، فأدركوا بذلك النور ما هو الحق ، ويميزه به من الباطل حتى يصير وأمن أئمة العدل بعد أن كانوا أئمة الجور ، ولما صاروا أئمة عدل لا يكون لهم جوع اختياري ؛ لأن تجويع المطايا التي تحملهم إلى الحضرات نظير الإيثار على نفوسهم ، والحق تعالى إنما مدح الإيثار من ورطة الشره المستور في الطبيعة البشرية والحرص ، وهذا العبد لم يبق عنده منها شيء فيطلب منه أن يبدأ بنفسه لكونها أقرب جار إليه من الغير ، فالجوع الممدوح ما في هذا الآبيات : والجوع المذموم ما يكون في حق الكمّل وما هو غير مشروع نحو جوع الطبيعة وأنشدوا في هذا : الجوع موت أبيض * وهو من أعلام الهدى ما لم يؤثر خبلا فهو دواء داء * فاحكم به تكن له موفقا مسددا الجوع بئس ضجيع المرء جاء به * لفظ النّبي فلا رفع به رأسا قد أدرك القوم في تعيّنه غلط * ولم يقيموا له وزنا وقسطاسا من قال بالجوع لم يعرف حقيقته * وقد أضلّ بما قد قاله النّاسا جوع العوائد محمود فلست أرى * فيما آراه من استعماله بأسا جوع الطبيعة مذموم وليس يرى * فيه المحقق بالرحمن إيناسا أي : جوع الأكابر اضطراري لا اختياري لوجوب العدل عليهم في رعيتهم إذا انقادت الرعية ، واللّه أعلم انتهى كلامه بمدونه مع التحريف في بعض الكلمات والحذف في بعض ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .

--> ( 1 ) رواه ابن أبي الدنيا في الجوع .